سيد محمد طنطاوي

159

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

نبيه إلى ما يجب عليه نحوهم إذا ما تحاكموا إليه فقال : * ( فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ، وإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً ، وإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ ، إِنَّ اللَّه يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) * . أي : فإن جاءك هؤلاء اليهود متحاكمين إليك - يا محمد - في قضاياهم ، فأنت مخير بين أن تحكم بما أراك اللَّه ، وبين أن تتركهم وتهملهم وتعرض عنهم ، وإن تعرض عنهم ، فيما احتكموا فيه إليك ، قاصدين مضرتك وإيذاءك فلا تبال بشيء من كيدهم ، لأن اللَّه حافظك وناصرك عليهم ، وإن اخترت الحكم في قضاياهم ، فليكن حكمك بالعدل الذي أمرت به ، لأن اللَّه - تعالى - يحب العادلين في أحكامهم . والفاء في قوله : * ( فَإِنْ جاؤُكَ ) * للإفصاح أي : إذا كان هذا حالهم وتلك صفاتهم فإن جاؤوك متحاكمين إليك فيما شجر بينهم من خصومات * ( فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ) * . وجاء التعبير بأن المفيدة للشك - مع أنهم قد جاؤوا إليه - للإيذان بأنهم كانوا مترددين في التحاكم إليه صلى اللَّه عليه وسلم وأنهم ما ذهبوا إليه إلا ظنا منهم بأنه سيحكم فيهم بما يتفق مع أهوائهم ، فلما حكم فيهم بما هو الحق كبتوا وندموا على مجيئهم إليه . قال أبو السعود : وقوله : * ( وإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ ) * بيان لحال الأمرين إثر تخييره صلى اللَّه عليه وسلم بينهما . وتقديم حال الإعراض ، للمسارعة إلى بيان أنه لا ضرر فيه ، حيث كان مظنة الضرر ، لما أنهم كانوا لا يتحاكمون إليه إلا لطلب الأيسر والأهون عليهم ، فإذا أعرض عنهم وأبى الحكومة بينهم شق ذلك عليهم فتشتد عداوتهم ومضارتهم له ، فأمنه اللَّه بقوله : * ( فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً ) * من الضر « 1 » . وكان التعبير بأن أيضا في قوله * ( وإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ ) * للإشارة إلى أنه صلى اللَّه عليه وسلم ليس حريصا على الحكم بينهم بل هو زاهد فيه ، لأنهم ليسوا طلاب حق وانصاف بل هم يريدون الحكم كما يهوون ويشتهون ، والدليل على ذلك أن التوراة التي بين أيديهم فيها حكم اللَّه ، إلا أنهم جاؤوا إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم مؤملين أن يقضى بينهم بغير ما أنزل اللَّه ، فيشيعوا ذلك بين الناس ، ويعلنوا عدم صدقه في نبوته ، فلما حكم بما أنزل اللَّه خاب أملهم وانقلبوا صاغرين . وقوله : * ( إِنَّ اللَّه يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) * تذييل مقرر لما قبله من وجوب الحكم بينهم بالعدل إذا ما اختار أن يقضى بينهم . يقال : أقسط الحاكم في حكمه ، إذا عدل وقضى بالحق فهو مقسط أي عادل ومنه قوله -

--> ( 1 ) تفسير أبى السعود ج 2 ص 29